BIBLIOTHEQUE CENTRALE
Détail de l'auteur
Auteur آمال علي الشوكي |
Documents disponibles écrits par cet auteur
Affiner la recherche Interroger des sources externes
Titre : الآراء الأخلاقية بين المعري وشوبنهور Type de document : texte imprimé Auteurs : آمال علي الشوكي, Auteur Mention d'édition : ط1 Editeur : عمان:دار الأيام للنشر و التوزيع Année de publication : 2021 Importance : 200ص. Présentation : غلاف خارجي Format : 24X17سم ISBN/ISSN/EAN : 978-9957-95-836-7 Langues : Arabe (ara) Langues originales : Arabe (ara) Catégories : 4 Sciences sociales et humaines Mots-clés : الأخلاق،القدرات،الانسان،الفلسفة Index. décimale : 128 Le genre humain. Classer ici les ouvrages d'ensemble sur la vie humaine Résumé : حسنًا فعلت الدكتورة آمال علي الشوكي (مواليد بغداد، 1980) باختيارها هذا الموضوع المقارَن بين أبي العلاء المعرّي وآرثر شوبنهاور (أستميحها عذرًا في اعتماد اسم شوبنهاور مزيدًا بالألف بعد الهاء، إذ طغى اعتماده باللغة العربية على هذا النحو في معظم الترجمات والدراسات). وقد نالت صاحبة هذه الدراسة – الأطروحة شهادة الدكتوراه من قسم الفلسفة في كلية الآداب – الجامعة المستنصرية، وهي في فصول أربعة يحمل أوّلها عنوان "المعرّي وشوبنهاور بين رحلة الحياة ورحلة المعرفة" وفيه تمهيد حول المنظومة الأخلاقيّة بين الإسلام والغرب، ومبحثٌ عن المعرّي نشأةً وتكوينًا وحياةً ومؤلفات، والمعرّي شاعرًا وفيلسوفًا وعصرًا، فإلى المبحث الثاني عن شوبنهاور نشأةً وتكوينًا وحياةً وعصرًا ومؤلفات. أمّا الفصل الثاني فيحمل عنوان "آراء أبي المعرّي الأخلاقية" ويشتمل على آراء شاعر المعرّة وفيلسوفها في الاجتماع والسياسة والدين والتربية والمرأة والطبيعة الإنسانية والنفس والجسد وفكرة الموت ومصير الإنسان بعد الموت (البعث) والتشاؤم وعبثية الحياة والزهد والعزلة والقيم الأخلاقية والعقل والإرادة واللذة والفضائل ومعنى الخير ومعنى الشرّ وحرّية الإرادة والجبر وحرّية الإرادة والثواب والعقاب. والفصل الثالث مخصص لـ"آراء شوبنهاور الأخلاقية" ومحاورها: العالم، المرأة، الحب، السياسة، الدين، الطبيعة البشرية، الإرادة وعلاقتها بالجسد والعقل، الموت، التشاؤم، عبثية الحياة، فضلًا عن الثالوث الأخلاقي لديه: الشفقة والفن والزهد، وختامًا فكرة الخلاص. لنصل أخيرًا إلى الفصل الرابع تحت عنوان "المعرّي وشوبنهاور: مقاربات ومماثلات أخلاقية"، وهو لبّ الدراسة المقارنة وجوهرها، ولبّ قراءتنا لأطروحة الدكتوراه في الفلسفة التي صدرت في كتاب عام 2021 لدى "دار الأيام" في عمّان.
بداية نشير إلى أنّ أبا العلاء المعرّي عاش قبل شوبنهاور بنحو ثمانية قرون. تشاؤمه وحسّه العبثيّ العدميّ وتلاقي نظرته إلى الحياة والوجود مع نظرة الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور (1788 - 1860) لفتت الدارسين شرقًا وغربًا، وقد أفصح أبو العلاء عن فلسفته العدميّة شعرًا، فيما بنى شوبنهاور منهجًا فلسفيًّا متكاملًا، ومع ذلك تتكامل وتتّحد نظرتاهما كاتّحادهما مع نظرات كثيرة صوفيّة من الماضي البعيد (بودا)، ومعاصرة (سيوران)، مرورًا بالعديد من الفلاسفة الإغريق.
في هذه الدراسة المقارنة تخلص آمال علي الشوكي إلى أنّ المشترك بين أبي العلاء وشوبنهاور هو أنّ كليهما رأى من ناحيته، وفي زمنه الخاص، ضرورة القضاء على الأوهام وتبديد الأكاذيب ورفع الستار عن خدعة الحياة. ورغم نَظْرتيهما المتشائمة إلى الحياة وتجهمّهما فإنهما ما كانا ضعيفين، إذْ عاش شوبنهاور مثل مجاهد فكريّ يحمل سيف الفلسفة ورمحها، وتلقّى أبو العلاء حياته المؤلمة كضرير بقناعة وزهد وشجاعة واتّقاد فكريّ وبلاغة شعرية. وكان شوبنهاور فلسفةً وأسلوبًا أقرب إلى الأدباء والشعراء (فلسفته واضحة، سهلة، كثيرة الاستشهادات بالأدباء والشعراء).
"في هذه الدراسة المقارنة تخلص آمال علي الشوكي إلى أنّ المشترك بين أبي العلاء وشوبنهاور هو أنّ كليهما رأى من ناحيته، وفي زمنه الخاص، ضرورة القضاء على الأوهام وتبديد الأكاذيب ورفع الستار عن خدعة الحياة"
كثيرةٌ النقاط التي يلتقي عندها شاعر المعرّة وفيلسوفها ومتشائم فرنكفورت العابس، فكلاهما سيّئ الظنّ بالطبيعة الإنسانيّة، شديد الازدراء بها، بارعٌ في الكشف عن عيوبها ومساوئها وتعداد نقائصها. فمن أقوال شوبنهاور: "إنّ سلوك الإنسان يتّصف على الدوام بالقسوة البالغة والغلظة الصمّاء والإفراط في الجفوة والإمعان في الإجحاف ومجاوزة الحدّ في التنطّع. وخلاف ذلك هو المستثنى". ولا يخالف أبو العلاء كثيرًا رأي شوبنهاور حين يقول شعرًا: "وكلّنا قومُ سوءٍ لا أخصّ به ̸ بعض الأنام ولكنّ أجمعُ الفرقا". فالإنسان شرّير بطبعه، والفساد غريزة فيه، وجميع البشر في نظر أبي العلاء سواسية في الفساد وقبح الطباع والشرّ: "لو كان كلّ بني حواء يشبهني ̸ فبئس ما وَلَدت في الدهر حوّاءُ". ويرى أنّ الناس في هذه الدنيا كلاب، يتصارعون عليها رغم أنّها لا تعدو كونها جيفة نتنة. وفي طبيعة الإنسان فساد وشرّ، وليته لم يولد، فهو شرّ وبلاء، والطبيعة البشريّة شرّيرة بطبعها لذا لا ينفع معها إصلاح.
من ناحيته، يقول شوبنهاور: "لا شيء أكثر إثارة وتهييجًا للأعصاب من محاولتك إقناع إنسان ما، عن طريق الأدلّة العقليّة والبراهين المنطقية وبَذْلِك جهدًا في محاولة إقناعه، إذ يتضح في النهاية أنّه لم يفهم ولن يفهم وينبغي أن نخاطبه من خلال إثارة ما يريد ويرغب، أي من خلال إرادته". ويطلق فيلسوف فرنكفورت العدميّ على الإنسان صفة "الحيوان الميتافيزيقي"، فالحيوان يرغب في الشيء وهو منقاد بإرادته لا بعقله. ومن هنا نظرة كلٍّ من أبي العلاء وشوبنهاور إلى الطبيعة البشرية من الجانب السلبيّ لا الإيجابيّ، فالأصل في هذه الطبيعة هو الشرّ، وعند أوّل فرصة متاحة تظهر غريزة الشرّ هذه ويبان الحيوان المفترس الكامن داخل الإنسان فينقضّ على فريسته.
أبو العلاء وشوبنهاور كلاهما يائس من إصلاح الإنسان ونافٍ لتطوّره والأمل في إصلاحه. ويعبّر أبو علاء عن ذلك شعرًا: "فلا تأمل من الدنيا صلاحًا ̸ فذاك هو الذي لا يُستطاعُ"، معتبرًا أنّ عمل الأنبياء والحكماء والوُعّاظ لم يأتِ بالثمار ولم يصرف الناس عن الشرّ، وقد فارق الحكماء الحياة وفي نفوسهم حسرة من فشل مساعيهم وذهاب جهودهم أدراج الرياح. فشوبنهاور يخالف من ناحيته أيضًا معاصريه من الفلاسفة في النظر إلى التاريخ، فمن العبث البحث فيه عن خطة أبدية مرسومة أو تدبير حكيم أو غاية معقولة متوخّاة، فالتاريخ هو التعقيدات الزائلة لعالم الناس المتحرّك مثل السحاب وسط الرياح أو القاصّ الذي يحكي حلم الإنسانيّة المعقد. وخلف هذه الدنيا المتوهّمة، البادية للعيان، دنيا حقيقية مخفيّة هي ما يدعوه شوبنهاور "الإرادة" التي تحقّق وجودها قوى الطبيعة المختلفة، وسبب الشرّ هي تلك "الإرادة العمياء".
ما يدعوه شوبنهاور "إرادة الحياة" يدعوه أبو العلاء "حبّ الحياة" مدركًا سوء أثر هذا الحب في خداع النفس وترغيبها في الحياة بما فيها من أفدح الآلام. وهذا الحب الشديد للحياة والتعلّق بأسبابها هو ما يجعلنا نخاف الموت، قائلًا: "والنفس آلفة الحياةِ فدمعُها̸ يجري لذكر فراقها مُنْهلِّهُ"(المنهلِّ أي العَطِش). ولا ينخدع أبو العلاء بالمتظاهرين بالزهد في الحياة فهم يُضمرون حبًّا لها، بل يعشقونها في سرّهم. كذلك لشوبنهاور، الحياة مظهر مخادع وصورة رائعة. الوجود حلم والشخصية وهم. تضرب الحياة وشائجها في أعماق "إرادة الحياة" والإرادة هذه رغبة ملحّة في الوجود وسعي مستمرّ خلف الأهواء وحرص شديد على الاستمتاع، بيد أنّ الاستجابة لهذه الشهوات لا تُروي ولا تُشبِع، فالحاجة هي مصدر الألم. منشأ ذلك كلّه هو الوهم، والخداع، فلولا هذا الوهم لما وُجدت الحياة التي هي شقاء وألم، وليس الإنسان وحده غارق في الشقاء بل تشاركه فيه جميع الكائنات. الشقاء هو من نصيب كلّ حشرة تزحف وكلّ كائن آخر، ويلاحق الشقاء الإنسان في مراحل عمره كافة، من المهد إلى اللحد، وإلى أيّ طبقة انتمى، من الصعلوك المتسوّل إلى ربّ التاج وحامل الصولجان، وعلى مرّ الأجيال السابقة واللاحقة، فلا سعادة ولا راحة ولا أمن ولا سلام.
المعرّي وشوبنهاور يعتبران من الفلاسفة المثاليين. ولأنّ المعرّي شاعر أوّلًا فإنّ موقفه المتذبذب غير مستقرّ حيال العقل، على عكس شوبنهاور ذي المنهج الفلسفيّ الثابت والمستقرّ. فنحن نرى المعرّي ينظر أحيانًا إلى العقل بكونه المرشد السليم لأصول المعرفة، في حين أنّ شوبنهاور يضع العقل في مرتبة ثانية بعد الإرادة والحَدْس. يقول المعرّي مثلًا: "إذا تفكّرتَ فكرًا لا يمازجه ̸ فساد عقلٍ صحيحٍ هانَ ما صعبا". فهو يمجّد العقل ويُعلي من شأنه وقدرته، ثم يعود فيُحطّ من شأنه مساويًا بين العالِم والجاهل: "وما للعلماء والجهّال إلاّ قريبُ ̸ حين تنظر من قريبِ". ولو شئنا تحديد الفرق بين المعرّي وشوبنهاور، فإنّ الأول لم يتأثّر بفكر فلسفيّ معين بل ينبع مبدأه في العقل من إحساسه الفكريّ الممزوج بالروح الشعريّة، بينما شيّد شوبنهاور مبدأه حول العقل على نحو مناقض لمفهوم مواطِنِهِ كانط. فقد بالغ أبو العلاء، أحيانًا، في تقديس العقل، فيما جعله شوبنهاور تابعًا للإرادة منقادًا لأمرها.
الحياة ألم وتعب وشرّ وانعدام سعادة للمعرّي وشوبنهاور، فالقاعدة الحقيقية للبشريّة جمعاء في هذا العالم تكمن في الألم المستدام. ولو تساءلنا لِمَ كلّ هذا التشاؤم، يجيبنا أبو العلاء شعرًا: "في العدم كنّا وحُكم الله أوجدنا ̸ ثمّ اتفقنا على ثانٍ من العدم"، ويقول أيضًا: "نمرّ سراعًا بين عدمين ما لنا ̸ ثباتٌ كأنّا عابرون على جسرِ". أمّا شوبنهاور فدعا إلى الخلاص من الشرور في هذه الدنيا بالانصراف عنها وعدم الإقبال عليها. وإذا كان منبع تشاؤم أبي العلاء (افتراضًا لا جزمًا) هو فَقْدُ بصره، لا بصيرته، فإنّ شوبنهاور كان مبصرًا وذا بصيرة ومرتاحًا مادّيًا، إلاّ أنّ ذلك كله لم يمنعه من اتخاذ موقف فلسفيّ متشائم من الوجود بكونه شرًّا كلّه، إذ يقول مثلًا: "أنّى اتجهتً لقيتَ عراكًا وقتالًا وتنافسًا، فكلّ نوع يقاتل لينتزع من الآخر ما يملك من مادة وزمان، وما الإنسان سوى ذئب لأخيه الإنسان، وهو تَعِسٌ إن تزوّج وتَعِسٌ إن لم يفعل، وخير للإنسان أن يتوقّف عن التناسل".
"الحياة ألم وتعب وشرّ وانعدام سعادة للمعرّي وشوبنهاور، فالقاعدة الحقيقية للبشريّة جمعاء في هذا العالم تكمن في الألم المستدام"
في جانب العطف والشفقة فإنّ شوبنهاور يعود إلى الفلسفات الشرقية القديمة (بودا كان مرجعه الأثير الأول، ومن ثمّ الأوبانيشاد الهندية وسرّ نشوء الكون فيها). ولأنّ الإرادة (العمياء) هي أصل كل شيء، فإنّ ثمة وحدة خلف المظاهر المتباينة في الوجود وعلى الإنسان أن يُدرك الوحدة الحقيقية للعالم، إذ ثمة صلة بينه وبين الآخر، وهذه الصلة الخفيّة هي أساس الأخلاق وقواعد السلوك، فحين يشعر الإنسان بهذه العلاقة ينشأ العطف والشفقة لديه حيال باقي الكائنات، وهنا مصدر السلوك الأخلاقي، ما يجعلنا نُحسن معاملة الآخر، فالإساءة إلى الآخر كأنّما هي إساءة إلى أنفسنا. ويتجسّد العطف لدى أبي العلاء في الإحساس بآلام الآخرين، إلاّ أنّ شقاء ابي العلاء الشخصي عجزه عن مساعدة الآخر، معبّرًا عن ذلك في شعره: "أنا الشقيُّ بأنّي لا أُطيقُ لكُم ̸ معونةً وصُروفُ الدهر تَحتَبِسُ"، أي لا قدرة لديه على مساعدة الآخر فالدهر يعاكسه. ويتقاسم مع شوبنهاور الرفق بالحيوان إذ يقول: "تَصَدَّقْ على الطير الغوادي بشُرْبَةٍ ̸ من الماء واعدُدها أحقَّ من الأُنْس"، فقد يكون الكائن الضعيف في هذا الوجود أحقّ بالمساعدة من الإنسان العاقّ، ومع ذلك ينبغي أن نساعد كليهما. كذلك لدى شوبنهاور، الرأفة بالنسبة إليه هي قوام الفضائل ومسالك الآداب. فالإنسان يتعرّف إلى ذاته ويستشفّ جوهرها في مرآة الدنيا، ويُدرك وحدة الوجود الحقيقية (صلب فلسفة بودا ومعتقده). هذه الرأفة بالكائنات الحيّة أجمعها تجعلنا نُحسن معاملة الآخر ونعرض عن الإساءة إليه، فلو أسأنا إلى الإنسان، أو حتى الحيوان الضعيف، فكأنّنا نسيء إلى ذواتنا، فالفضيلة هي أن نعدّ ألم الآخر ألمنا ونبادر إلى إزالته لو استطعنا ذلك، أو نلطّف حدّته ونهوّن وَقْعَه إذا عجزنا عن ردّ غائلته. من هنا نفهم تعلّق شوبنهاور بكلبه الذي سمّاه "إيتما" أي "روح العالم" بحسب الفلسفات الشرقيّة القديمة، حتى وصل به الأمر إلى تخصيص جزء من ثروته لحيوانه الأليف، رفيق حياته ونزهاته، والذي كان أقرب إلى نفسه من البشر أجمعين.
وتصل الباحثة في دراستها المقارنة إلى موضوع الزهد، فقد نشد أبو العلاء الخلاص في النسك والزهد عبر إماتة الشهوات والانصراف عن اللّذات وما ينجم عنها من حاجات لا ترتوي، وبالتالي ضرورة إيقاف النسل الذي له فيه قوله الشعريّ الذائع الشهرة على كل شفة ولسان: "هذا جناه أبي عليّ ̸ وما جنيتُ على أحد"، كما أنّه يقرن السعادة بالزهد إذْ قال: "وأسعدُ الناس بالدنيا أخو زُهدٍ ̸ نافى بَنيها، ونادَوا إذ مضى، دربا".
وبالنسبة إلى شوبنهاور فإنّ الطريقة المثلى للخلاص من آلام الحياة وهمومها هي مقاومة الإرادة وقهرها واستئصال الأطماع والشهوات وممارسة الزهد للانتهاء إلى حالٍ من السكينة والهدوء تداني ما يسمّيه البوديّون "نيرفانا" أي الإشراق الناجم عن الانعتاق من كل شيء أرضيّ. وليس الأبطال، في عُرف شوبنهاور، هم الإسكندر والقيصر ونابوليون، بل الزهّاد والنسّاك الذين قمعوا أهواءهم، فقد هزم نابوليون جيوشًا وأسقط عروشًا، لكنّه لم يستطع أن يتغلّب على نفسه ويهزم شهواته، ونعرف كيف انتهى منفيًّا، بعد طول "مجد" و"بطولات"... فلا شيء في هذه الدنيا يستحقّ العناء... كلّ شيء وهم بوهم، وعبث بعبث.
لم يكن شوبنهاور فيلسوفًا كباقي الفلاسفة إذ كان أقربهم إلى الأدب والشعر وعُرِفَ بجذالة أسلوبه ووضوح فلسفته التي يقرأها العالِم وغير العالِم. أمّا أبو العلاء فهو شاعر كبير وفي الوقت عينه ينطوي شعره على فلسفة ورأي واضح في الوجود. وفي ذلك أوجه شبه كبيرة بين شاعر المعرّة وفيلسوف فرنكفورت، الذي لا عجب في أن يكون في فلسفته الخاصة بالفنون قد وضع الشعر في المرتبة الأعلى بينها على الإطلاق، وشعر أبي العلاء بما يتضمّن من نظرة فلسفية خير دليل على صحّة نظريّة شوبنهاور المتّصلة بالشعر، القادر على حمل كلّ الأفكار الجوهريّة حول الوجود والإنسان.
Note de contenu : الاهداء
المقدمة
الفصل الاول:المعري وشوبنهور بين رحلة الحياة
الفصل الثاني:آراء ابو العلاء المعري الاخلاقية
الفصل الثالث:شوينهور وآراؤه الأخلاقية
الفصل الرابع:المعري وشوبنهور"مقاربات ومماثلات أخلاقية"الآراء الأخلاقية بين المعري وشوبنهور [texte imprimé] / آمال علي الشوكي, Auteur . - ط1 . - الاردن : عمان:دار الأيام للنشر و التوزيع, 2021 . - 200ص. : غلاف خارجي ; 24X17سم.
ISBN : 978-9957-95-836-7
Langues : Arabe (ara) Langues originales : Arabe (ara)
Catégories : 4 Sciences sociales et humaines Mots-clés : الأخلاق،القدرات،الانسان،الفلسفة Index. décimale : 128 Le genre humain. Classer ici les ouvrages d'ensemble sur la vie humaine Résumé : حسنًا فعلت الدكتورة آمال علي الشوكي (مواليد بغداد، 1980) باختيارها هذا الموضوع المقارَن بين أبي العلاء المعرّي وآرثر شوبنهاور (أستميحها عذرًا في اعتماد اسم شوبنهاور مزيدًا بالألف بعد الهاء، إذ طغى اعتماده باللغة العربية على هذا النحو في معظم الترجمات والدراسات). وقد نالت صاحبة هذه الدراسة – الأطروحة شهادة الدكتوراه من قسم الفلسفة في كلية الآداب – الجامعة المستنصرية، وهي في فصول أربعة يحمل أوّلها عنوان "المعرّي وشوبنهاور بين رحلة الحياة ورحلة المعرفة" وفيه تمهيد حول المنظومة الأخلاقيّة بين الإسلام والغرب، ومبحثٌ عن المعرّي نشأةً وتكوينًا وحياةً ومؤلفات، والمعرّي شاعرًا وفيلسوفًا وعصرًا، فإلى المبحث الثاني عن شوبنهاور نشأةً وتكوينًا وحياةً وعصرًا ومؤلفات. أمّا الفصل الثاني فيحمل عنوان "آراء أبي المعرّي الأخلاقية" ويشتمل على آراء شاعر المعرّة وفيلسوفها في الاجتماع والسياسة والدين والتربية والمرأة والطبيعة الإنسانية والنفس والجسد وفكرة الموت ومصير الإنسان بعد الموت (البعث) والتشاؤم وعبثية الحياة والزهد والعزلة والقيم الأخلاقية والعقل والإرادة واللذة والفضائل ومعنى الخير ومعنى الشرّ وحرّية الإرادة والجبر وحرّية الإرادة والثواب والعقاب. والفصل الثالث مخصص لـ"آراء شوبنهاور الأخلاقية" ومحاورها: العالم، المرأة، الحب، السياسة، الدين، الطبيعة البشرية، الإرادة وعلاقتها بالجسد والعقل، الموت، التشاؤم، عبثية الحياة، فضلًا عن الثالوث الأخلاقي لديه: الشفقة والفن والزهد، وختامًا فكرة الخلاص. لنصل أخيرًا إلى الفصل الرابع تحت عنوان "المعرّي وشوبنهاور: مقاربات ومماثلات أخلاقية"، وهو لبّ الدراسة المقارنة وجوهرها، ولبّ قراءتنا لأطروحة الدكتوراه في الفلسفة التي صدرت في كتاب عام 2021 لدى "دار الأيام" في عمّان.
بداية نشير إلى أنّ أبا العلاء المعرّي عاش قبل شوبنهاور بنحو ثمانية قرون. تشاؤمه وحسّه العبثيّ العدميّ وتلاقي نظرته إلى الحياة والوجود مع نظرة الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور (1788 - 1860) لفتت الدارسين شرقًا وغربًا، وقد أفصح أبو العلاء عن فلسفته العدميّة شعرًا، فيما بنى شوبنهاور منهجًا فلسفيًّا متكاملًا، ومع ذلك تتكامل وتتّحد نظرتاهما كاتّحادهما مع نظرات كثيرة صوفيّة من الماضي البعيد (بودا)، ومعاصرة (سيوران)، مرورًا بالعديد من الفلاسفة الإغريق.
في هذه الدراسة المقارنة تخلص آمال علي الشوكي إلى أنّ المشترك بين أبي العلاء وشوبنهاور هو أنّ كليهما رأى من ناحيته، وفي زمنه الخاص، ضرورة القضاء على الأوهام وتبديد الأكاذيب ورفع الستار عن خدعة الحياة. ورغم نَظْرتيهما المتشائمة إلى الحياة وتجهمّهما فإنهما ما كانا ضعيفين، إذْ عاش شوبنهاور مثل مجاهد فكريّ يحمل سيف الفلسفة ورمحها، وتلقّى أبو العلاء حياته المؤلمة كضرير بقناعة وزهد وشجاعة واتّقاد فكريّ وبلاغة شعرية. وكان شوبنهاور فلسفةً وأسلوبًا أقرب إلى الأدباء والشعراء (فلسفته واضحة، سهلة، كثيرة الاستشهادات بالأدباء والشعراء).
"في هذه الدراسة المقارنة تخلص آمال علي الشوكي إلى أنّ المشترك بين أبي العلاء وشوبنهاور هو أنّ كليهما رأى من ناحيته، وفي زمنه الخاص، ضرورة القضاء على الأوهام وتبديد الأكاذيب ورفع الستار عن خدعة الحياة"
كثيرةٌ النقاط التي يلتقي عندها شاعر المعرّة وفيلسوفها ومتشائم فرنكفورت العابس، فكلاهما سيّئ الظنّ بالطبيعة الإنسانيّة، شديد الازدراء بها، بارعٌ في الكشف عن عيوبها ومساوئها وتعداد نقائصها. فمن أقوال شوبنهاور: "إنّ سلوك الإنسان يتّصف على الدوام بالقسوة البالغة والغلظة الصمّاء والإفراط في الجفوة والإمعان في الإجحاف ومجاوزة الحدّ في التنطّع. وخلاف ذلك هو المستثنى". ولا يخالف أبو العلاء كثيرًا رأي شوبنهاور حين يقول شعرًا: "وكلّنا قومُ سوءٍ لا أخصّ به ̸ بعض الأنام ولكنّ أجمعُ الفرقا". فالإنسان شرّير بطبعه، والفساد غريزة فيه، وجميع البشر في نظر أبي العلاء سواسية في الفساد وقبح الطباع والشرّ: "لو كان كلّ بني حواء يشبهني ̸ فبئس ما وَلَدت في الدهر حوّاءُ". ويرى أنّ الناس في هذه الدنيا كلاب، يتصارعون عليها رغم أنّها لا تعدو كونها جيفة نتنة. وفي طبيعة الإنسان فساد وشرّ، وليته لم يولد، فهو شرّ وبلاء، والطبيعة البشريّة شرّيرة بطبعها لذا لا ينفع معها إصلاح.
من ناحيته، يقول شوبنهاور: "لا شيء أكثر إثارة وتهييجًا للأعصاب من محاولتك إقناع إنسان ما، عن طريق الأدلّة العقليّة والبراهين المنطقية وبَذْلِك جهدًا في محاولة إقناعه، إذ يتضح في النهاية أنّه لم يفهم ولن يفهم وينبغي أن نخاطبه من خلال إثارة ما يريد ويرغب، أي من خلال إرادته". ويطلق فيلسوف فرنكفورت العدميّ على الإنسان صفة "الحيوان الميتافيزيقي"، فالحيوان يرغب في الشيء وهو منقاد بإرادته لا بعقله. ومن هنا نظرة كلٍّ من أبي العلاء وشوبنهاور إلى الطبيعة البشرية من الجانب السلبيّ لا الإيجابيّ، فالأصل في هذه الطبيعة هو الشرّ، وعند أوّل فرصة متاحة تظهر غريزة الشرّ هذه ويبان الحيوان المفترس الكامن داخل الإنسان فينقضّ على فريسته.
أبو العلاء وشوبنهاور كلاهما يائس من إصلاح الإنسان ونافٍ لتطوّره والأمل في إصلاحه. ويعبّر أبو علاء عن ذلك شعرًا: "فلا تأمل من الدنيا صلاحًا ̸ فذاك هو الذي لا يُستطاعُ"، معتبرًا أنّ عمل الأنبياء والحكماء والوُعّاظ لم يأتِ بالثمار ولم يصرف الناس عن الشرّ، وقد فارق الحكماء الحياة وفي نفوسهم حسرة من فشل مساعيهم وذهاب جهودهم أدراج الرياح. فشوبنهاور يخالف من ناحيته أيضًا معاصريه من الفلاسفة في النظر إلى التاريخ، فمن العبث البحث فيه عن خطة أبدية مرسومة أو تدبير حكيم أو غاية معقولة متوخّاة، فالتاريخ هو التعقيدات الزائلة لعالم الناس المتحرّك مثل السحاب وسط الرياح أو القاصّ الذي يحكي حلم الإنسانيّة المعقد. وخلف هذه الدنيا المتوهّمة، البادية للعيان، دنيا حقيقية مخفيّة هي ما يدعوه شوبنهاور "الإرادة" التي تحقّق وجودها قوى الطبيعة المختلفة، وسبب الشرّ هي تلك "الإرادة العمياء".
ما يدعوه شوبنهاور "إرادة الحياة" يدعوه أبو العلاء "حبّ الحياة" مدركًا سوء أثر هذا الحب في خداع النفس وترغيبها في الحياة بما فيها من أفدح الآلام. وهذا الحب الشديد للحياة والتعلّق بأسبابها هو ما يجعلنا نخاف الموت، قائلًا: "والنفس آلفة الحياةِ فدمعُها̸ يجري لذكر فراقها مُنْهلِّهُ"(المنهلِّ أي العَطِش). ولا ينخدع أبو العلاء بالمتظاهرين بالزهد في الحياة فهم يُضمرون حبًّا لها، بل يعشقونها في سرّهم. كذلك لشوبنهاور، الحياة مظهر مخادع وصورة رائعة. الوجود حلم والشخصية وهم. تضرب الحياة وشائجها في أعماق "إرادة الحياة" والإرادة هذه رغبة ملحّة في الوجود وسعي مستمرّ خلف الأهواء وحرص شديد على الاستمتاع، بيد أنّ الاستجابة لهذه الشهوات لا تُروي ولا تُشبِع، فالحاجة هي مصدر الألم. منشأ ذلك كلّه هو الوهم، والخداع، فلولا هذا الوهم لما وُجدت الحياة التي هي شقاء وألم، وليس الإنسان وحده غارق في الشقاء بل تشاركه فيه جميع الكائنات. الشقاء هو من نصيب كلّ حشرة تزحف وكلّ كائن آخر، ويلاحق الشقاء الإنسان في مراحل عمره كافة، من المهد إلى اللحد، وإلى أيّ طبقة انتمى، من الصعلوك المتسوّل إلى ربّ التاج وحامل الصولجان، وعلى مرّ الأجيال السابقة واللاحقة، فلا سعادة ولا راحة ولا أمن ولا سلام.
المعرّي وشوبنهاور يعتبران من الفلاسفة المثاليين. ولأنّ المعرّي شاعر أوّلًا فإنّ موقفه المتذبذب غير مستقرّ حيال العقل، على عكس شوبنهاور ذي المنهج الفلسفيّ الثابت والمستقرّ. فنحن نرى المعرّي ينظر أحيانًا إلى العقل بكونه المرشد السليم لأصول المعرفة، في حين أنّ شوبنهاور يضع العقل في مرتبة ثانية بعد الإرادة والحَدْس. يقول المعرّي مثلًا: "إذا تفكّرتَ فكرًا لا يمازجه ̸ فساد عقلٍ صحيحٍ هانَ ما صعبا". فهو يمجّد العقل ويُعلي من شأنه وقدرته، ثم يعود فيُحطّ من شأنه مساويًا بين العالِم والجاهل: "وما للعلماء والجهّال إلاّ قريبُ ̸ حين تنظر من قريبِ". ولو شئنا تحديد الفرق بين المعرّي وشوبنهاور، فإنّ الأول لم يتأثّر بفكر فلسفيّ معين بل ينبع مبدأه في العقل من إحساسه الفكريّ الممزوج بالروح الشعريّة، بينما شيّد شوبنهاور مبدأه حول العقل على نحو مناقض لمفهوم مواطِنِهِ كانط. فقد بالغ أبو العلاء، أحيانًا، في تقديس العقل، فيما جعله شوبنهاور تابعًا للإرادة منقادًا لأمرها.
الحياة ألم وتعب وشرّ وانعدام سعادة للمعرّي وشوبنهاور، فالقاعدة الحقيقية للبشريّة جمعاء في هذا العالم تكمن في الألم المستدام. ولو تساءلنا لِمَ كلّ هذا التشاؤم، يجيبنا أبو العلاء شعرًا: "في العدم كنّا وحُكم الله أوجدنا ̸ ثمّ اتفقنا على ثانٍ من العدم"، ويقول أيضًا: "نمرّ سراعًا بين عدمين ما لنا ̸ ثباتٌ كأنّا عابرون على جسرِ". أمّا شوبنهاور فدعا إلى الخلاص من الشرور في هذه الدنيا بالانصراف عنها وعدم الإقبال عليها. وإذا كان منبع تشاؤم أبي العلاء (افتراضًا لا جزمًا) هو فَقْدُ بصره، لا بصيرته، فإنّ شوبنهاور كان مبصرًا وذا بصيرة ومرتاحًا مادّيًا، إلاّ أنّ ذلك كله لم يمنعه من اتخاذ موقف فلسفيّ متشائم من الوجود بكونه شرًّا كلّه، إذ يقول مثلًا: "أنّى اتجهتً لقيتَ عراكًا وقتالًا وتنافسًا، فكلّ نوع يقاتل لينتزع من الآخر ما يملك من مادة وزمان، وما الإنسان سوى ذئب لأخيه الإنسان، وهو تَعِسٌ إن تزوّج وتَعِسٌ إن لم يفعل، وخير للإنسان أن يتوقّف عن التناسل".
"الحياة ألم وتعب وشرّ وانعدام سعادة للمعرّي وشوبنهاور، فالقاعدة الحقيقية للبشريّة جمعاء في هذا العالم تكمن في الألم المستدام"
في جانب العطف والشفقة فإنّ شوبنهاور يعود إلى الفلسفات الشرقية القديمة (بودا كان مرجعه الأثير الأول، ومن ثمّ الأوبانيشاد الهندية وسرّ نشوء الكون فيها). ولأنّ الإرادة (العمياء) هي أصل كل شيء، فإنّ ثمة وحدة خلف المظاهر المتباينة في الوجود وعلى الإنسان أن يُدرك الوحدة الحقيقية للعالم، إذ ثمة صلة بينه وبين الآخر، وهذه الصلة الخفيّة هي أساس الأخلاق وقواعد السلوك، فحين يشعر الإنسان بهذه العلاقة ينشأ العطف والشفقة لديه حيال باقي الكائنات، وهنا مصدر السلوك الأخلاقي، ما يجعلنا نُحسن معاملة الآخر، فالإساءة إلى الآخر كأنّما هي إساءة إلى أنفسنا. ويتجسّد العطف لدى أبي العلاء في الإحساس بآلام الآخرين، إلاّ أنّ شقاء ابي العلاء الشخصي عجزه عن مساعدة الآخر، معبّرًا عن ذلك في شعره: "أنا الشقيُّ بأنّي لا أُطيقُ لكُم ̸ معونةً وصُروفُ الدهر تَحتَبِسُ"، أي لا قدرة لديه على مساعدة الآخر فالدهر يعاكسه. ويتقاسم مع شوبنهاور الرفق بالحيوان إذ يقول: "تَصَدَّقْ على الطير الغوادي بشُرْبَةٍ ̸ من الماء واعدُدها أحقَّ من الأُنْس"، فقد يكون الكائن الضعيف في هذا الوجود أحقّ بالمساعدة من الإنسان العاقّ، ومع ذلك ينبغي أن نساعد كليهما. كذلك لدى شوبنهاور، الرأفة بالنسبة إليه هي قوام الفضائل ومسالك الآداب. فالإنسان يتعرّف إلى ذاته ويستشفّ جوهرها في مرآة الدنيا، ويُدرك وحدة الوجود الحقيقية (صلب فلسفة بودا ومعتقده). هذه الرأفة بالكائنات الحيّة أجمعها تجعلنا نُحسن معاملة الآخر ونعرض عن الإساءة إليه، فلو أسأنا إلى الإنسان، أو حتى الحيوان الضعيف، فكأنّنا نسيء إلى ذواتنا، فالفضيلة هي أن نعدّ ألم الآخر ألمنا ونبادر إلى إزالته لو استطعنا ذلك، أو نلطّف حدّته ونهوّن وَقْعَه إذا عجزنا عن ردّ غائلته. من هنا نفهم تعلّق شوبنهاور بكلبه الذي سمّاه "إيتما" أي "روح العالم" بحسب الفلسفات الشرقيّة القديمة، حتى وصل به الأمر إلى تخصيص جزء من ثروته لحيوانه الأليف، رفيق حياته ونزهاته، والذي كان أقرب إلى نفسه من البشر أجمعين.
وتصل الباحثة في دراستها المقارنة إلى موضوع الزهد، فقد نشد أبو العلاء الخلاص في النسك والزهد عبر إماتة الشهوات والانصراف عن اللّذات وما ينجم عنها من حاجات لا ترتوي، وبالتالي ضرورة إيقاف النسل الذي له فيه قوله الشعريّ الذائع الشهرة على كل شفة ولسان: "هذا جناه أبي عليّ ̸ وما جنيتُ على أحد"، كما أنّه يقرن السعادة بالزهد إذْ قال: "وأسعدُ الناس بالدنيا أخو زُهدٍ ̸ نافى بَنيها، ونادَوا إذ مضى، دربا".
وبالنسبة إلى شوبنهاور فإنّ الطريقة المثلى للخلاص من آلام الحياة وهمومها هي مقاومة الإرادة وقهرها واستئصال الأطماع والشهوات وممارسة الزهد للانتهاء إلى حالٍ من السكينة والهدوء تداني ما يسمّيه البوديّون "نيرفانا" أي الإشراق الناجم عن الانعتاق من كل شيء أرضيّ. وليس الأبطال، في عُرف شوبنهاور، هم الإسكندر والقيصر ونابوليون، بل الزهّاد والنسّاك الذين قمعوا أهواءهم، فقد هزم نابوليون جيوشًا وأسقط عروشًا، لكنّه لم يستطع أن يتغلّب على نفسه ويهزم شهواته، ونعرف كيف انتهى منفيًّا، بعد طول "مجد" و"بطولات"... فلا شيء في هذه الدنيا يستحقّ العناء... كلّ شيء وهم بوهم، وعبث بعبث.
لم يكن شوبنهاور فيلسوفًا كباقي الفلاسفة إذ كان أقربهم إلى الأدب والشعر وعُرِفَ بجذالة أسلوبه ووضوح فلسفته التي يقرأها العالِم وغير العالِم. أمّا أبو العلاء فهو شاعر كبير وفي الوقت عينه ينطوي شعره على فلسفة ورأي واضح في الوجود. وفي ذلك أوجه شبه كبيرة بين شاعر المعرّة وفيلسوف فرنكفورت، الذي لا عجب في أن يكون في فلسفته الخاصة بالفنون قد وضع الشعر في المرتبة الأعلى بينها على الإطلاق، وشعر أبي العلاء بما يتضمّن من نظرة فلسفية خير دليل على صحّة نظريّة شوبنهاور المتّصلة بالشعر، القادر على حمل كلّ الأفكار الجوهريّة حول الوجود والإنسان.
Note de contenu : الاهداء
المقدمة
الفصل الاول:المعري وشوبنهور بين رحلة الحياة
الفصل الثاني:آراء ابو العلاء المعري الاخلاقية
الفصل الثالث:شوينهور وآراؤه الأخلاقية
الفصل الرابع:المعري وشوبنهور"مقاربات ومماثلات أخلاقية"Exemplaires (1)
Code-barres Cote Support Localisation Section Disponibilité 24/326078 A/128.023 Livre Bibliothèque Centrale indéterminé Exclu du prêt

